مقال اعتقد انه مهم والى حد كبير يمثل واقعنا
إبراهيم الهضيبي
العيش في البلاد النفطية تجربة مختلفة وهامة، يرى المرء من خلالها بوضوح شديد كيف تمت علمنة وترشيد الدين بشكل شبه كامل؛ ليصبح دينا جديدا يشبه في ظاهره الإسلام، ولكنه يبقى في جوهره جزءا وظيفيا من منظومة حضارية علمانية (وأقصد بذلك دنيوية، مادية، فردية).
وهو ذات الأمر الذي يحدث في بلدنا مصر، ولكن الكثافة السكانية والخبرة التاريخية الطويلة وبقايا الثقافة الصوفية (المتجاوزة للأبعاد المادية والإجرائية، والعميقة في جوهرها، المنضبطة بضوابط الشرع) أوجدت بعض المقاومة الحضارية التي حافظت على جزء من قيم المجتمع، وعلى بعض من تماسكه.
زحف المادة
فالدين الإسلامي الذي جوهره –كباقي الأديان السماوية في حقيقتها- الاهتمام بالآخرة {وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ} [القصص:77]، والذي يحتاج نصيب الدنيا فيه للتذكير به حتى لا ينسى {وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}[القصص :77] أصبح دنيويا بشكل شبه كامل، والاهتمام بجوهر العبادات وأسرارها، وكذلك بأحوال القلوب ومعاصيها (غير المادية والملموسة بشكل مباشر) يتضاءل لصالح الاهتمام بأشكال العبادات وإجراءاتها وفقهها، وبمعاصي الجوارح (المادية، والملموسة، والتي يمكن حسابها بسهولة)، والإحساس بالأمة والجماعية بما تقتضيه من احترام للتنوع في ظل أخوة حقيقية وإحساس بالمسئولية المجتمعية {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [التوبة:71] يتضاءل لصالح الخلاص الفردي، والمسئولية الشخصية.
في تلك البلاد النفطية تحول المسجد من مؤسسة اجتماعية إسلامية متكاملة بها أبعاد (روحانية...إيمانية) متجاوزة للمادة، سواء في الصلاة التي قال فيها الرسول (أرحنا بها يا بلال)، أو فيما يتلى فيه من قرآن ومن مجالس للذكر يتيقن حاضروها من وجود الملائكة.
وبها أبعاد إنسانية في شبكة علاقات بين مرتادي المسجد من أهل الحي الواحد حتى كان بعض الصحابة يتصارعون في المسجد، وبعضهم يقيل به ويجلس بعضهم إلى بعض يتحدثون ويتسامرون حتى كانت العقوبة لمن تخلف عن الجهاد أن اعتزله الناس اعتزالا ظهر أكثر ما ظهر في المسجد.
وأبعاد اجتماعية تظهر في أهل الصفة الذين كانوا يلجئون للمسجد انتظارا للصدقات والنفحات، وتحول المسجد من هذا كله إلى (دار للعبادة)، أو مكان للصلاة، بأضيق ما تحتمل تلك الكلمة من معان.
فاصل ثم نعود
وفي تلك البلاد يغلب على فترة الصلاة -لا لكونها فترة انفصال عن البرنامج اليومي (الميكانيكي) للحياة وتجاوز لماديته، وإنما لكونها جزءا مكملا له- إجراء يومي معتاد يدخل كفقرة من فقرات اليوم التي لابد منها، كفقرة استراحة القهوة، وفقرة استراحة الغداء.
تحولت الصلاة التي قال فيها الرسول: (تحترقون تحترقون فإذا صليتم الصبح غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم الظهر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العصر غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم المغرب غسلتها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتم العشاء غسلتها، ثم تنامون فلا يكتب عليكم حتى تستيقظوا) تحولت إلى جزء ميكانيكي من هذا الاحتراق الحضاري، احتراق الإنسان لصالح الجزء المادي في داخله
تبدأ الطقوس بأذان يرفع إلكترونيا بلا مؤذن، فقد اخترقت التكنولوجيا المنظومة الروحانية، وافترضت أن لم يعد هناك حاجة للإنسان المؤذن، رغم أن الأذان فرض كفاية لابد أن يقوم به إنسان، ولكن فكرة العلمانية الشاملة (كما يعرفها المسيري رحمه الله) لا تؤمن بالإنسان، فيرفع الأذان عن طريق برنامج يؤذن في المساجد جميعها تلقائيا في أوقات الأذان، بشكل شديد الانضباط، بالثانية والدقيقة، يتناسب مع الحياة الميكانيكية التي تهتم (بشكل مبالغ فيه أحيانا) بضبط الإجراءات المادية الملموسة.
وصوت الأذان له على المصلين أثر دقات الساعة معلنة استراحة الغداء أو القهوة؛ فتجد الجميع يسير في اتجاه المسجد.. كل يسير منفردا بشكل ملفت لا ترى معه أي جمع يسير مجتمعا إلى المسجد إلا في القليل النادر جدا، فالمنظومة الحضارية القائمة بالأساس على الفردية والتركيز على فكرة (الخلاص الفردي) في الدنيا والآخرة فككت المجتمع، وقتلت (نحن) لصالح (أنا).
دعوات آلية
وفي المسجد تقام الصلاة، فيصلي الإمام والناس من خلفه، تماما كصورة الصلاة في كل بقاع الأرض، حكمة الله البالغة في جمع المؤمنين على الصلاة، حكمة يبدو أنها غابت بشكل كبير عن المصلين، فمع تسليمة الإمام تنتهي (فقرة الصلاة) وينطلق الجميع (بسرعة عجيبة، وفردية أعجب مرة أخرى)، فارين من المسجد بعد أن انتهى دوره، إلى حيث الحلقة التالية، في جدول الحياة اليومية.
من يجلس في المسجد بعد الصلاة يجلس للحظات قليلة، يدعو بدعوات يظهر من وجهه (ولا يمكن الحكم على النوايا) أنها دعوات ميكانيكية إجرائية هي الأخرى، يتمتم الفم بها بسرعة، ثم ينطلق مسرعا ليلحق بفقرات اليوم التالية، اليوم الذي تم ترشيده وضبط إيقاعه و(جدوله) بالكامل.
وعلى باب المسجد غالبا ما توجد طاولة صغيرة للهلال الأحمر، بها (كوبونات) لمصارف مختلفة للتبرعات.. إغاثة فلسطين، حملة إغاثة الشعب العراقي، بناء مساجد، كفالة أيتام، رعاية طلبة علم... كل من هذه المصارف له كوبونات بقيم مالية مختلفة، يختار المتبرع منها ما يشاء، ويقطع الكوبونات، ثم يدفع المال لموظف الهلال الأحمر الجالس إلى جانب الطاولة، وينصرف إلى خارج المسجد بعد أن يكون قد أدى صلاته وصدقته أو زكاته.
وذلك أمر (يشبه) ما يحدث في المساجد في بلاد لا تزال مجتمعاتنا تقاوم موجة العولمة والعلمنة التي اخترقت المجتمعات النفطية، غير أن التبرعات شكلها يختلف؛ فهي إما تبرعات في صناديق تقوم إدارة المسجد (المكونة من أهل الحي رواد المسجد) بتوزيعها على مستحقيها الذين يأتون للمسجد، وهم غالبا من فقراء ومستحقي الحي، وإما تكون التبرعات بشكل مباشر للمحتاجين المحيطين بالمسجد، أولئك الذين قد {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ} [البقرة:273]، لكن أهل مسجدهم ليسوا عنهم بجهلاء، فالمسجد يبني بينهم حدا أدنى من التعارف.
أما المنظومة المحكمة والدقيقة للتبرعات من خلال الكوبونات فهي قد تكون أكثر انضباطا وربما أكثر فعالية إجرائية في توزيع الأموال، ولكنها تتناسى بشكل كامل أن الحقوق ليست مادية فحسب، وأن منظومة الصدقة في الإسلام هي منظومة إنسانية متجاوزة للمادة غير منكرة لها، فهي تضع الحقوق المادية، وتضع معها حقوقا معنوية لمتلقي الزكاة أو الصدقة، فكما في توزيع الميراث هناك حقوق وأنصبة مادية لمن حضر: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ}[النساء:8] فإن لهم كذلك حقوقا معنوية تعجز الأنظمة المادية عن تقديرها، ولكنها مكون أساسي من المنهج الإسلامي: {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا} [النساء:8]، ذلك القول المعروف هو العلاقة الإنسانية المتجاوزة للمادة، وهو أهم وأفضل منها إن ظن من تصدق بها أنه بأدائه الواجب المادي قد صار من أصحاب الفضل والمنة {قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى}[البقرة:263]، وهي حقوق للمتلقي تحافظ على إنسانيته وإنسانية المتبرع، كالمسح على رأس اليتيم، والتبسم في وجه الناس، تلك الصدقة الإنسانية غير المادية التي لا تستطيع إلا المنظومات المتجاوزة والإنسانية حسابها.
علمنة الصلاة
وهكذا تتحول الصلاة من وسيلة لإضافة بعد روحاني متجاوز للحياة المادية إلى مكون من مكونات تلك الحياة المادية، بعد أن تم ترشيدها وعلمنتها بالكامل، وبدلا من أن يصبغ المسجد الحياة كلها بصبغته الإنسانية المتجاوزة للمادة (وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) تصبغ الحياة المادية المسجد بصبغتها فتفقده أبعاده المتجاوزة، إلا من رحم ربي.
رأيت ذلك الأمر –بتلك الصورة الفجة- في المجتمعات النفطية أكثر من غيرها؛ لأن تلك الدول قرنت التحديث بالعلمنة، وسارت فيها معا، فأخذت مميزات التحديث، ومعها أمراض العلمنة التي يعاني منها الإنسان الغربي ويدرك مخاطرها الآن أكثر من أي وقت مضى، ولكننا لا نزال نصر ببلاهة لا نحسد عليها على أن نسير في نفس الدرب لنلقى نفس المصير المحتوم.
والصورة في الدول النفطية أوضح كذلك؛ لأن المجتمعات هناك صغيرة، وكانت حتى وقت قريب معزولة عن العالم، وبالتالي فالتحول الحضاري عندها كان أسرع؛ لأن قدرتها على المقاومة الحضارية كانت أقل من غيرها، وهي أوضح كذلك بسبب طبيعة تكوينها (السلفي - الوهابي) الذي يميل دوما لضبط الإجراءات، أحيانا بشكل يقتطع من حجم الخطاب الجزء الذي يفترض أن يخصص للإرشاد لضبط الداخل والجوهر والفلسفة الحاكمة، وهو خطاب يسهل اختراقه حضاريا من خلال فكرة (فلسفة الإدارة) التي تقوم عليها الحضارة الغربية العلمانية في العقدين الأخيرين، والصورة أكثر وضوحا بسبب عدم وجود مؤسسات اجتماعية قوية تقاوم هذا (المد المادي) على حساب الإنسان، فجل من في هذه البلاد موجود للعمل والكسب بشكل رئيسي، وبالتالي فلا مكان للعائلات الممتدة، أقوى حصون المناعة للمحافظة على الإنسان.
مقاومة مستبطنة
غير أن الكثير من المجتمعات ليست بمأمن عن المرض، فالبرجوازية الإسلامية في مصر مستوعَبة بشكل كبير في هذا المشروع، صار خطابها الحضاري الغالب شبيه بالحالة الكالفانية والبروتستانتية التي تناولها ماكس فيبر في كتابه (الخلق البروتستانتي وروح الرأسمالية)، والمقاومة المحدودة الباقية جلها مقاومة مستبطنة وليست واعية، مقاومة سببها ثقافة آلاف السنين، وأبعاد صوفية متجاوزة لا يزال لها بعض الأثر في المجتمع، ومجتمع لا تزال لديه بعض بقايا منظومته الاجتماعية الإنسانية التي تظهر فيها الأسرة والعائلة بشكل من العلاقات التراحمية القوية التي تواجه الفردية، وفشل إداري شبه كامل في التحديث والعلمنة إلا على مستوى النخبة، التي تسير في اتجاه علمنة بغير تحديث، في حين أن حل أزمة الأمة هو التحديث بغير علمنة.
البرجوازية الإسلامية المصرية ترسل أبناءها إلى المدارس (الأمريكية الإسلامية الدولية)، التي تنتج –في أغلب الأحوال- أفرادا يستبطنون بشكل كبير النموذج الحضاري الغربي بفلسفته وقيمه الحضارية، مع حفظهم للقرآن وحفاظهم على الصلاة، وغيابهم الكامل عن المشروع الحضاري الإسلامي، وميدان المقاومة الحضارية، تنتج شيئا أقرب في جوهره للنموذج الغربي، وإن كان له ظاهر إسلامي، والمشكلة الحقيقية لهؤلاء هي أنهم لا يدركون غالبا بعدهم عن جوهر النموذج الحضاري الإسلامي، فبسبب (فلسفة الإدارة) –التي يحسبونها محايدة، بل يعتبرون (الحياد) بسببها أمرا إيجابيا، مع أن (تحييد الإنسان) إنما يعني النظر إليه كجسد فقط وتجاهل ما يحمل من قيم وأخلاق ومفاهيم حضارية وتاريخ- يفسرون الإسلام إداريا، وبالتالي لا يستطيعون فهم جوهر المشروع الإسلامي.
منذ سنوات شاهدت إعلانا لا زلت أذكره، كان جزءا من حملة إحياء للعبادات أطلقتها حكومة خليجية، فيه اثنان من الشباب يلعبان البلاي ستايشن، ثم يأتي صوت الأذان (وربما كان هو الآخر إلكترونيا) فتتجمد منصات اللعبة، والصورة بالكامل، وينزل الشابان للصلاة في المسجد، ثم الدعاء (الميكانيكي الإجرائي أيضا) للحظات، ثم العودة للمنزل، وسحب المنصات المجمدة في الهواء، والاستمرار في اللعب!!
هكذا أصبح المميز للمسلم هو الصلاة فقط، أي أنه تميز بعبادته من دون الغوص في أسرارها، ومن دون أن يصبح له خطاب حضاري مميز ورؤية حضارية متجاوزة للمادة، وعلى هذا المنوال -علمنة الدين وترشيده- سار أغلب الدعاة الجدد من حيث لا يدرون، ومن خلال استبطان مفاهيم غربية؛ كالفردية، والمادية، والاستهلاكية، والإجرائية، والدنيوية في الخطاب.
إياك أعبد وإياك أستعين
أتخيل أحيانا أنني أقف في صف للصلاة، من المفترض أن نكون فيها جماعة، ويرتفع صوت من حولي بالقراءة في سورة الفاتحة، وأظنني سأسمع منهم من يقول (إياك أعبد، وإياك أستعين، اهدني الصراط المستقيم)، وعلى الرغم من أن ذلك سيبطل صلاته، ولكنه سيكون أكثر صدقا، فهو لا يشعر بـ"نعبد، ونستعين، واهدنا..."، ولكنني أعلم أن ذلك لن يحدث؛ لأن من تم استيعابه في المشروع الحضاري المادي لا يدرك ما يقوله في الصلاة ولا يفكر فيه، وإنما هي كلمات إجرائية لابد منها لصحة الصلاة يرددها بلا أي وعي بمضامينها.
ولا أزعم أن المنظومة الحضارية الإسلامية تورث الخشوع الكامل في الصلاة، كما لا أزعم أنها تؤدي بالضرورة إلى وعي كامل بالإنسانية في كل لحظة من لحظات الحياة، فسيبقى للمادية تأثير في بعض المناطق على هامش الحياة، ولكن المنظومة الحضارية الإسلامية –شأنها في ذلك شأن أي منظومة حضارية متجاوزة للمادة، أي شأن الأديان السماوية جميعا- ستمنعها من الانتقال من الهامش إلى القلب، وستفتح الباب أمام القدرة على تجاوز مادية الحياة ولو للحظات، وقد نقل لي بعض أساتذتي أن الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله كان يقول: ليست القضية في أن تصلي كل ركعة في حياتك بإخلاص، وإنما يكفيك أن تحاول طوال حياتك أن تصلي ركعة بإخلاص، وأقول: لا أتصور افتراض أن يستطيع الإنسان –في ظل مادية الحياة في زماننا- أن يوجد لحظات انفصال وتجاوز في كل ركعة في صلاته، ولحظات من الإنسانية والتجاوز في كل خطوة في حياته ولكن استبطان نموذج حضاري إسلامي –هو في ذاته متجاوز- أقرب لأن يساعد في الحصول على بعض تلك اللحظات من التجاوز والإنسانية.
